محمد أبو زهرة
1253
زهرة التفاسير
وهناك معنى آخر تشير إليه مرويات الصحاح من السنة ، وهو أن يدعو النبي خاصته من أهل بيته ، وهم نساء قرابته وذريته ، ورجال أسرته ؛ وقد روى البخاري وغيره أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ذهب إلى المباهلة ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعلى « 1 » . والمعنى على الأول يشير إلى أن المباهلة بين أهل الحق مجتمعين ، وأهل الباطل مجتمعين ، ثم يتجهون جميعا إلى رب العالمين ؛ لأن الأمر يهم الجميع ، فإما أن يذعن أحد الفريقين للآخر ، وإما أنه يطرد من رحمة اللّه تعالى . وعلى الثاني يشير إلى أن المباهلة بين النبي وأسرته ، وكبراء الفريق الآخر وأسرهم ، وإلى أن الذي يؤمن بما يقول لا يمتنع عن تقديم أحب الناس إليه في المباهلة ما دام مؤمنا بأن الحق في جانبه . وإن النبي تقدم إلى هذه المبارزة المعنوية الاعتقادية ، ولكنهم أحجموا ولم يتكلموا ورضوا أن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون . والابتهال قال فيه الزمخشري : ثُمَّ نَبْتَهِلْ : ثم نتباهل بأن نقول بهلة اللّه على الكاذب منا ومنكم ، والبهلة بالفتح والضم اللعنة ، وبهله اللّه : لعنه وأبعده من رحمته ، من قولك أبهله إذا أهمله . وأصل الابتهال هذا ، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه ، وإن لم يكن التعانا . وفي الآيات الكريمة إشارة إلى عدة معان نفسية واجتماعية : أولها : أن المجادل الممارى لا تزيده الحجة القوية اقتناعا ، ولا تحمله على الإذعان ، إنما يحمله على الإذعان التوجيه النفسي ، بأن يدرس مقدار اقتناعه هو بما يقول ، وفي الابتهال وسط لجاجة أولئك الذين يحرفون الكلم عن مواضعه دعوة لهم إلى أن يفتشوا قلوبهم ويعرفوا مقدار إيمانهم بما يقولون ، ومقدار الحق فيما يعدلون ؛ ولذلك خروا صاغرين ، ولم يستطيعوا جدالا .
--> ( 1 ) رواه الترمذي : المناقب - مناقب علي بن أبي طالب ( 3658 ) وأحمد : مسند العشرة المبشرين بالجنة ( 1522 ) .